نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأزمة الأوكرانية.. مفاوضات على أصوات المدافع - بوابة مولانا, اليوم الخميس 27 فبراير 2025 03:48 صباحاً
يقول المثل الأمريكي ذائع الصيت «غير المتوقع يأتي دائماً»، ويبدو أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ومعه قادة الدول الأوربية لم يتوقعوا أبداً أن يتصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الأول من دخوله للبيت الأبيض بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولم يتسع خيال الدول الأوروبية ليتوقع نشوب الخلاف والملاسنات الحادة بين ترامب وزيلينسكي ليصف الرئيس ترامب نظيره الأوكراني ب«الديكتاتور» وغير المنتخب منذ نهاية ولاية زيلينسكي في مايو 2024، ليس هذا فقط فقد تحدث ترامب أكثر من مرة«بأن أوكرانيا يمكن أن تصبح ذات يوم روسية»، وطالب بالحصول على موارد ومواد نادرة من أوكرانيا تزيد قيمتها على 500 مليار دولار لتعويض واشنطن عن 350 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية وعسكرية لأوكرانيا خلال 3 سنوات من الحرب التي بدأت في 24 فبراير 2022.
على الجانب الآخر لم يتوقع أحد أن ينتقد الرئيس الأوكراني نظيره الأمريكي علانية وأمام وسائل الإعلام، ويتجاوز الأبواب المغلقة، والقنوات الخلفية والدبلوماسية عندما وصف زيلينسكي الرئيس الأمريكي بأنه يعيش في «فضاء التضليل الروسي»، الأمر الذي فجر عاصفة من الانتقادات الأمريكية ضد الرئيس الأوكراني، ووصل الأمر بالبعض في واشنطن بمطالبة زيلينسكي بالاستقالة والذهاب إلى فرنسا، لكن بعض الأوروبيين، وفي مقدمتهم رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون ديرلاين يواجهون مقاربة ترامب بخطوات عملية على الأرض حيث يستعد الأوروبيون لتنفيذ خطة جريئة لتصنيع السلاح والذخيرة بهدف توفير البديل الأوروبي أمام اليقين بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا خلال المرحلة القادمة، والهدف هو أن يكون لكييف مكان على طاولة المفاوضات التي بدأت بالفعل بين الروس والأمريكيين في الرياض بغياب أوكرانيا، وتأكيد الرئيس الأمريكي أنه «لا توجد حاجة» لحضور أوكرانيا على طاولة المفاوضات، وهو ما يطرح سلسلة من الأسئلة حول فرص نجاح رؤية الرئيس ترامب في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية؟ وهل تعرقل أوروبا مساعي ترامب التي أشادت بها الصين؟ وإلى أي مدى هناك استعداد في موسكو وكييف لتقديم تنازلات كافية لوقف الحرب وبدء مرحلة جديدة من الأمن والسلام في أوروبا؟
الواقعية وإعادة تعريف أسباب الحرب
تقوم خطة الرئيس ترامب لوقف الحرب الروسية الأوكرانية على مقاربة جديدة عنوانها «الواقعية السياسية وإعادة تعريف مسببات الحرب»، ولهذا يعمل فريق ترامب التفاوضي على مجموعة من الخطوط العريضة وهي:
أولاً: خيار كيسنجر
قبل 19 ديسمبر 2017 عندما اعتبرت واشنطن كلاً من بكين وموسكو منافستين استراتيجيتين لها على الساحة الدولية جرى نقاش أمريكي عميق لم ينته حتى اليوم، عنوان هذا النقاش أن التصدي لروسيا والصين معاً محفوف بالمخاطر، وكان ينبغي الفصل بينهما، وعزل أحدهما عن الآخر، لكن الحرب الروسية الأوكرانية لعبت دوراً كبيراً في تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي والعسكري بين روسيا والصين، وهنا أعادت الولايات المتحدة المشهد، وبدأت النخبة السياسية في الكونغرس ومراكز الأبحاث وحتى في الصحف الكبرى تقول بضرورة تبني واشنطن مقاربة جديدة للتعامل والتصدي بشكل منفصل للصين العملاقة اقتصادياً، وروسيا التي لديها أكثر من 6500 رأس نووي، وتشير كل تقديرات الموقف التي يتحدث عنها الأمريكيون بعودة ترامب الى ما يسمى «خيار كيسنجر» الذي كان يقوم على زرع الخلافات بين القوى الآسيوية الكبيرة، وألا تسمح واشنطن بأي تقارب بين القوى الكبرى في آسيا، وخاصة بين الصين والاتحاد السوفييتي السابق، وهنا قام كيسنجر بترتيب وهندسة زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972 رغم أنه لم يكن هناك علاقات دبلوماسية بين البلدين، ونجحت زيارة نيكسون وكيسنجر إلى الصين في الفصل بين الاتحاد السوفييتي السابق من جانب، والصين من جانب آخر، واليوم يشكل «خيار كيسنجر» عنواناً غير مباشر للمقاربة التي طرحها الوفد الأمريكي في مفاوضات الرياض مع الجانب الروسي، وركزت مفاوضات الرياض على استعادة مسار العلاقات الروسية الأمريكية بالكامل، والبحث في حل جميع الخلافات بين واشنطن وموسكو، حتى لو كان الأمر يقوم على تنازلات كبيرة لموسكو، وهذه المقاربة لن توفر فقط وقف الحرب في أوكرانيا، لكنها تضمن «تحييد موسكو» في الصراع القادم بين بكين وواشنطن، وهي المعركة الأكبر لواشنطن وليس المعركة مع روسيا، ففي نظر الأمريكيين لا يساوي الاقتصاد الروسي اقتصاد ولاية واحدة مثل نيويورك أو كاليفورنيا، بينما الناتج القومي الصيني يتجاوز سنوياً نحو 18 تريليون دولار وينافس الولايات المتحدة في كل المجالات، وأن الانتقال من عالم القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الى «عالم متعدد الأقطاب» هو خطر يمكن أن يأتي من الصين أكثر من روسيا، وفق الرؤية الأمريكية، ولهذا فإن حل المشكلة الأوكرانية، وإبعاد روسيا عن الصين هو الهدف الأمريكي الأول لخطة الرئيس ترامب من وقف الحرب الروسية الأمريكية، ويراهن ترامب على وقوف روسيا بجانبه عندما يطرح على الصين ضرورة انضمامها لكل الاتفاقيات العسكرية والاستراتيجية التي توقفت بين روسيا والولايات المتحدة خلال السنوات السابقة مثل اتفاقية السماوات المفتوحة، واتفاقية «نيوستار» حول الأسلحة النووية، واتفاقية منع إنتاج ونشر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية، وتطبيقها في آسيا بجانب تطبيقها في أوربا
ثانيا: بناء الثقة والحوار الاستراتيجي
تهدف رؤية وتصريحات الرئيس ترامب عن أوكرانيا إلى تحقيق أمرين رئيسيين، الأول هو بناء الثقة مع روسيا، وعودة الفرق الدبلوماسية والخطوط الساخنة للعمل من جديد بين واشنطن وموسكو، وفي ذات الوقت إعادة طرح القضايا الاستراتيجية التي تهم مصالح البلدين، ومنها العودة للحوار الاستراتيجي بين البلدين، والذي توقف منذ عام 2021. ويهدف ترامب ليس فقط لحل المشاكل مع روسيا، بل لخلق شراكة وتعاون ومصالح حقيقية مع الرئيس بوتين والشعب الروسي حيث تحدث ترامب بإيجابية كبيرة عن حبه واحترامه للشعب الروسي، وهي مكاسب جانبية لترامب بجانب هدفه لوقف الحرب الروسية الأوكرانية.
ثالثاً: حدود 1991 غير مقدسة
كان لافتاً أن مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يتشكل من 65 كلمة فقط، يدعو الى دعم مسار السلام الروسي الأوكراني ووقف الحرب، لكنه لم يتحدث عن «مبدأ وحدة وسلامة الأراضي الأوكرانية»، وهذا يعكس قناعة الرئيس ترامب وفريقه الرئاسي بأنه من المستحيل عودة أوكرانيا لحدود 1991 عندما استقلت أوكرانيا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في 25 ديسمبر 1991، لأن أوكرانيا خسرت شبه جزيرة القرم عام 2014، كما ضمت روسيا أجزاء واسعة من 4 مقاطعات أوكرانية أخرى هي لوجنسك ودوينيستك وخيرسون وزاباروجيا، وتشكل شبه جزيرة القرم مع المقاطعات الأربعة التي ضمتها روسيا في سبتمبر 2022 نحو 20% من إجمالي الأراضي الأوكرانية، وسبق لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيت أن قال لزملائه وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» في شهر فبراير الجاري في قاعدة رامشتاين الألمانية إن الحديث عن عودة شبه جزيرة القرم لأوكرانيا طرح «غير واقعي»، وكل هذا يعني أن أوكرانيا وفق رؤية الرئيس ترامب سوف تخسر في أي اتفاق سلام شبه جزيرة القرم، وسيكون التفاوض بعد ذلك على الأراضي التي وقعت تحت سيطرة الجيش الروسي في مقاطعات خيرسون وزاباروجيا ولوجنسك ودونيستيك.
رابعاً: تجميد القتال
تبدأ رؤية ترامب لوقف الحرب وبدء المفاوضات على «تجميد القتال» على طول الجبهات من خاركييف أقصى الشمال الشرقي في أوكرانيا، مروراً بمقاطعتي لوجانسيك ودونيستيك، وصولاً الى خيرسون وزاباروجيا، وطول هذه الجبهة أكثر من 1300 كلم، وهدف ترامب إعطاء استراحة محارب للطرفين تضعف من زخم الحرب بما يعطي فرصة للتفكير الدبلوماسي على مائدة المفاوضات، وبالفعل سوف تعود فرق فنية أمريكية وروسية من جديد للرياض في شهر مارس القادم لبلورة هذه الأفكار قبل القمة المرتقبة بين بوتين وترامب.
خامساً: الناتو والاتحاد الأوروبي
توازن خطة ترامب بين العصا والجزرة، فهذه الرؤية لا تمانع في دخول أوكرانيا للاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة في الوقت الحالي، لكن لا يجوز لأوكرانيا الانضمام لحلف دول شمال الأطلسي «الناتو»، وهناك تصريحات مختلفة من الإدارة الأمريكية تقول بوضوح إن التلويح بقبول أوكرانيا في حلف «الناتو» كان من أكثر مسببات الحرب، ولهذا كان صادماً بالنسبة لأوكرانيا وأوروبا عندما قال ترامب إن تشجيع أوكرانيا لدخول حلف «الناتو» لم يكن قراراً حكيماً، وكان السبب الأكبر في اندلاع الصراع الروسي الأوكراني في 24 فبراير 2022.
سادساً: الموارد النادرة
رغم أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي هو أول من طرح صفقة المواد المعدنية النادرة على الرئيس ترامب عندما كان ترامب مرشحاً للانتخابات الرئاسية إلا أن زيلينسكي كان يهدف لتشجيع ترامب على مواصلة الدعم العسكري لأوكرانيا، لأن العرض الأوكراني كان يعرض شراكة أمريكية أوكرانية على المواد النادرة التي تحتاج اليها الصناعات الأمريكية الحديثة، والتي من وجهة نظر أوكرانيا موجودة بكميات كبيرة في باطن الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وكان هدف زيلينسكي من ذلك دفع ترامب لاسترجاع كل متر سيطرت عليه القوات الروسية، لكن جاء طرح ترامب مخالفاً تماماً لتوقعات زيلينسكي حيث يرفض ترامب التعهد بأي مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا، وأوقف تسليم مساعدات عسكرية قيمتها نحو 16 مليار دولار جرى إقرارها في عهد جو بايدن، ويريد الحصول على موارد ومعادن نادرة بل ونفط وغاز بما يساوي 500 مليار دولار حيث تقوم حسابات ترامب بأن واشنطن سلمت أوكرانيا نحو 350 مليار دولار خلال سنوات الحرب الثلاثة.
صدمة أوروبية
الاتصال المباشر من الرئيس الأمريكي بنظيره الروسي صدم الدول الأوربية بشدة، خاصة عندما ألمح ترامب الى أن أوكرانيا يمكن أن تكون «روسية» في يوم من الأيام، وقلل ترامب بعد مفاوضات الرياض من أهمية حضور أوكرانيا للجلسات القادمة، ولهذا اجتمع قادة الدول الأوروبية بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر فرساي التاريخي في 14 فبراير الجاري بهدف العمل على خطة متكاملة لمواجهة اندفاعة ترامب تجاه روسيا، وتقوم هذه الخطة الأوربية على مجموعة من المسارات هي:
1- حضور المفاوضات
ترى الدول الأوروبية أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام في أوكرانيا بدون حضور الجانب الأوكراني والأوروبيين لمفاوضات السلام الروسية الأمريكية، وتعتقد الدول الأوروبية أنها معنية تماماً بحضور هذه المفاوضات التي يجب عليها أن تؤسس للسلام والاستقرار الأوروبي بعد أن تعرضت أوروبا لأكبر حرب على أراضيها منذ نهايات الحرب العالمية الثانية خاصة أن الدول الأوروبية قدمت نحو 175 مليار دولار لأوكرانيا، بما يجعلها شريكاً رئيسياً في تفاعلات الحرب والسلام في أوكرانيا.
2- خطة التسليح الأوروبية
سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان ديرلاين بالإعلان عن خطة أوربية لتسريع وتيرة إنتاج السلاح والذخيرة في أوروبا، لكي تكون أوروبا قادرة على تسليح أوكرانيا لو أصر الرئيس ترامب على عدم تسليح أوكرانيا في الأسابيع والشهور القادمة حتى تكون أوكرانيا قادرة على تحقيق السلام وليس الاستسلام كما قال الرئيس الفرنسي ماكرون في حديثه مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض مساء الاثنين 24 فبراير الجاري، فالرؤية الأوربية تقول بوضوح إن ما تطرحه الإدارة الأمريكية هو «استسلام وليس سلام»، ويمكن أن يشجع روسيا على استئناف الحرب ضد أي دولة أخرى في أوروبا إذا ما جرت مكافأة الكرملين على شن الحرب في أوكرانيا.
3- قوات أوروبية
تناقش الدول الأوروبية فكرة إرسال قوات أوربية لتثبيت وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، وعدم تكرار الحرب مرة أخرى في أوكرانيا، لكن هذه الخطوة ليس عليها إجماع من كل الدول الأوروبية، ورغم عدم اعتراض الولايات المتحدة عليها إلا أن الرئيس ترامب لا يمانع في إرسال قوات أوروبية لأوكرانيا، لكنه غير مستعد لإرسال قوات أمريكية إلى أوكرانيا.
4- الضمانات الأمنية
تطلب الدول الأوروبية من الرئيس ترامب أن تكون هناك «ضمانات أمنية» لأوكرانيا حتى لا تكون أوكرانيا ضعيفة أمام روسيا على مائدة المفاوضات، لكن الرئيس ترامب سبق أن قال إن روسيا لها اليد العليا والأفضلية في الميدان، وبعد لقاء ترامب وماكرون في البيت الأبيض تحاول أوروبا دفع ترامب لعدم التخلي عن أوكرانيا التي باتت مستعدة لتقديم موارد بمليارات الدولارات مقابل الحصول على الضمانات الأمنية.
المؤكد أن هناك اتفاقاً بين روسيا وأوكرانيا وأيضاً الولايات المتحدة وأوروبا على ضرورة وقف الحرب الروسية الأوكرانية، لكن أدوات تحقيق هذا الهدف ما زال عليها خلاف بين الولايات المتحدة من جانب وأوكرانيا وأوروبا.. فهل تنجح المفاوضات رغم استمرار أصوات المدافع؟
0 تعليق